Deprecated: Optional parameter $field declared before required parameter $instance is implicitly treated as a required parameter in /home/u90909p86141/domains/liqaa.be/public_html/wp-content/themes/magazinenp/core/widgets/class-magazinenp-widget-base.php on line 41
أحمد رمضان ( أبو زويا) أو كيف تكون إنسانياً.. عماد أيو – اللقاء الوطني الديمقراطي في سوريا

أحمد رمضان ( أبو زويا) أو كيف تكون إنسانياً.. عماد أيو

لعل ما يُغدق على الإنسان إنسانيته ( فضلاً عن السمة النسبية   ) مزيج مُضني وعذب من نوبات الحنين المتواترة  بإلحاح لا فكاك منه أبداً . مع ضروب لانهائية من التشوفات المعلنة والخفية مشُوبة بمرارة مذاقات الفقد الباهظة . وما يعمق اكتناز سمة الإنساني جرعات من الألم الغير محدود متناوبة مع  لحظات الفرح وهباته الملطفة والمساعدة على تحمل إكراهات الألم وتعسفه وسطوته الفادحة . من هنا ما يجعل الإنسان إنسانياً بحق خليط من الغٍبطات الوجودية  من جهة ,  ومن جهة آخرى ندوبها الغائرة مع هواجس الميتافيزيقا المقلقة لدى البعض , والأحلام المطمئنة والسعيدة بحياة مديدة بعد هذه الحياة  لدى البعض الآخر .

ولعل بوسع المرء القول دون أن يخشى مجانبة الصواب , ا يمنح النسبي بهائه المتفرد , كفاحه التراجيدي  والملحمي نحو امتلاك الكمال دون توقف بالرغم من وعيه (  الشقي و الخلّاق) لا يكف عن تذكيره بإخفاق كل محاولاته العنيدة والفاتنة.

أما في أزمنة الانعطافات الزلزالية والتحولات القيْامية  حيث يتنامى الألم الإنساني بما يتخطى كينونة المرء لحد أحياناً وربما غالباً ما يُحيل سمة الأنسنة إلى نقيضها , إلى ما هو فوق إنساني أو مغاير له , مرّةً في لبوس ملائكي  , ومرات في إهاب شيطاني .

في أزمنة الحروب ولا سيما الحروب الطويلة  , الطويلة جداً , الطويلة بما يكفي حتى تفقد معها حيوات البشر كل  آمالها وأحلامها , وتغير بصورة قطعية سيرورات الأفراد ومصائرهم . لا يبقى فيها ومعها الإنسان إنسانياً , ونادراً ما تكشف الحرب المثخنة بما لا يمكن تصوره قبلها من فجائع المعدن الأصيل , فيغدو الإنساني جلياً ومُشعاً بأكثر صوره وتتبدياته زهواً   .

من أحد بلايا الحروب ومآسيها التي لاتعد ولا تُحصى ,  بوصفها ( الحروب ) منتجة لوقائع كارثية من هجرة ونزوح ونفي واستلاب مما يفضي إلى الإجهاز على ماهية العائلة و حميميتها . العائلة  التي  في جوهرها أقله في مفهومها الشرقي , تتجلى في حيوات أفرادها معاً مما يُسبغ على نواتها معنى الاستمرارية أو إمكانية الاستمرار كوحدة  متأزرة في مواجهة ما يهددها من خارج العائلة وأحياناً حتى من داخلها  . في الحروب تقريباُ تتشظى العائلة ويتفرق أبنائها في المنافي القصية . في الحروب يموت الإنسان غريباً ., ومثقلاً بوحدته .

على مدار ثلاث سنوات توشك على تمامها , ثلاث سنوات طوال منذ النزوح القسري من مدينة سري كانييه الوديعة جراء الغزو الهمجي من الفصائل المتطرفة والظلامية مدعومة بشكل مباشر من النظام التركي  . خلال ثلاث سنوات بنهاراتها المشؤومة ولياليها الكابوسية , تتوارد الأنباء عن رحيل مباغت للكثير  من أبنائها الخلص في أصقاع الأرض بأسرها  .  من هنا ومن هناك تغيّب المنية حيوات يافعة وناضجة ومفعمة بالحيوية والحكمة , وحدهم , و وحدهن , غالباً و بعيداً عن ابنائهم وأبنائهن الموزعين في مساحات الله الشاسعة . 

قبل عدة أيام كان آخرهم رحيل فارس نبيل من فرسان الزمن الجميل. رحيل الرجل المبدئي  , الشيوعي حتى الصميم , المناضل اليساري أحمد رمضان ( أبو زويا ). أسلم الروح  صاحب الروح النقية بعد أن أجبرته الظروف الجائرة للهجرة مع الكثير من أهالي المنطقة قبل ما يقارب عقد إلى تركيا بعد المحاولات الأولى الفاشلة لاحتلال مدينة الينابيع والأنهار , مدينة التعايش بين الطوائف والأديان والأعراق , مدينة سري كانييه.

تنفست روحه الصعداء وارتقت للفردوس الأعلى. هذا الفردوس الذي طالما ناضل وحلم في تحقيقه هنا على هذا الكوكب المُبتلى بالظلم واللامساواة والقهر.

سمت روحه وسط زوجته وبناته العزالى المذهولات  بعد أن استطاع تأمين ملاذاً آمناً لفلذة روحه ابنته الصغرى المُصابة بشلل ولادي والتي حباها الله  بنضج مبكر وحساسية  مرهفة. لعل وطأة غياب حبيبة روحه قد أثقلته بالهموم وعجلت نهايته .

رحل أحد أبرز رموز اليسار في المنطقة  دون أن يُكحّل عينيه الطيبتين بنظرات ولو عجولى ومتبادلة مع أبنائه الثلاث في وداع أخير  . هؤلاء الأبناء الذين ساقتهم الأقدار وحروب العماء إلى منافٍ نائية. 

رحل ابن القيم المثالية بعد أن شهد رحيل أبيه المجاهد الشهيد دفاعاً عن فلسطين في تلك السنوات البكر المجردة من المزاعم والزعيق الزائف , وهو مايزال طفلاً صغيراً  . رحل معلم المثل العادلة بعد أن عرف رحيل أخيه  عز الدين شاباً . ذاك الشاب المأسوف على ذكائه و جماله حيث مازال معاصريه حتى الآن يذكرونه بوجد .  تعلم الراحل وتتدرج على تشرب العقيدة اليسارية على يديه , لم يثبط رحيل عزالدين بعد إن ذاق عذابات المعتقلات  من عزيمة ماركسي المستقبل , ولم تلين إرادته بل على العكس حفزته وربما شكلته على نحو نهائي .

رحل بعد أن أختبر رحيل تؤام روحه ورفيق دريه الشيوعي المزمن الأستاذ الرصين , أستاذ  مادة الرياضيات , الأستاذ عبد العزيز خلف ( أبو وائل ) أستاذ الأجيال المتعاقبة .

رحل رجل الأحلام المستبصرة .  رحل الرجل الاستثنائي النزاهة والثبات بعد سقوط المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي  بعد أكثر من ثلاثة عقود . رحل  دون أن يرفع الراية البيضاء بعد تراجع اليسار العالمي بكافة أشكاله ومدارسه  من جادة الحياة دون أن تعتري ولو ذرة شك تصوراته عن عالم أكثر نبلاً وعدلاً وجمالاَ , رحل بعد معايشته كل ما اعتبره خيانة  للمستقبل و للمبادئ حينما بدّل الكثيرون ولاءاتهم وإيمانهم من النقيض للنقيض .

لا يُعرف إن كان وصيته أم قرار زوجته أو إحدى بناته أو أحد أبنائه , أن يٌدفن في ثرى مدينته التي احتضنته طويلاً , مدينته التي أحبها و أحبته كثيراُ. مدينته التي أجمع أبنائها جميعاً على احترامه وحبه على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم السياسية والثقافية والقومية والدينية.

كتب مرّةً الصوفي الجليل وأستاذ الفلسفة أوشو ” السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هناك حياة أخرى بعد الموت  . إنما السؤال الحقيقي هو هل كنت على قيد الحياة قبل الموت “. كل الدلائل تؤكد يقيناً عبر من  استطاع  الحضور لعزاء الراحل في مدينة الحسكة  في بيت صهره, ومن خلال ما قيل من عبارات المديح ,والإطراء مع ملامح الحزن الفائق تعبيراً عن  خسارة قامة وقيمة لن تُعوض بسهولة,  أن الراحل لم يكن على قيد الحياة في الحياة فقط , بل أنه كان طافحاً بالحياة , ممتلئاً بالحبور , مٌستنيراً, وعاشقاً لكل ما هو مُفرط وناصع ومشرق  في إنسانيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/u90909p86141/domains/liqaa.be/public_html/wp-includes/functions.php on line 5420

Notice: ob_end_flush(): Failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/u90909p86141/domains/liqaa.be/public_html/wp-includes/functions.php on line 5420